الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
133
شرح ديوان ابن الفارض
اللتين كانتا للصحابة ؛ الهجرة الأولى من مكة إلى بلاد الحبشة وهي الهجرة النفسانية خرج فيها من النفس التي هي القلب الذي هو بيت الربّ ، ولكنه في جاهليته مملوء بأصنام الأغيار إلى بلاد حبشة الأكوان المكدّرة بغيريّة الأطوار . ثم الهجرة الثانية وفيها النورانية المحمدية من النفس المطمئنة التي هي القلب أيضا إلى المدينة المحمدية والحضرة الأحمدية . اه . هجركم إن كان حتما قرّبوا منزلي فالبعد أسوا حالتيّ [ الاعراب ] « هجركم » : مبتدأ . و « إن » : شرطية . و « كان » فعل الشرط واسمها مستتر جوازا عائد إلى هجركم . و « حتما » : خبرها . و « قرّبوا » : جواب الشرط على حذف الفاء الرابطة لكونه أمرا ، أي فقرّبوا . و « منزلي » : مفعوله . وقوله « فالبعد » : مبتدأ . و « أسوا » : خبره ، وأصله أسوأ بالهمز على وزن أفعل لأنه من السوء لكنه خفّف بقلب الهمزة ألفا ساكنة فإعرابه بعد القلب بضمة مقدّرة على الألف كفتى . و « حالتيّ » : مضاف إليه وهو مثنى حذفت نون التثنية منه وأدغمت ياء المثنى مع ياء المتكلم ، والمراد من حالتيه ؛ حالة البعد وحالة الهجر ، وهذا المعنى يصرّح بأن الهجر في القرب خير من البعد وهو موافق لما أنشدناه في حلّ البيت قبل هذا : على أن قرب الدار خير من البعد وجملة الشرط مع جزائه خبر المبتدأ ، وجملة أسوا حالتي جملة مستأنفة مبيّنة لطلب قرب المنزل مع الهجر هربا من البعد لكنه أسوأ الحالتين ، ولكن في البيت لطافة تدرك بالذّوق السليم وهي قوله : هجركم إن كان حتما فإنه صريح في أنه لا يريد الهجر ولا البعد وأن كلّا منهما مكروه عنده ، لكن إن كان صدور الهجر أمرا محتوما به ولا محيد عنه فليكن مع القرب فإن قلب المحبّ لا يقدر على تحمّل الأمرين الأمّرين ، وليست هذه اللطافة في الشعر الذي رويناه في المعنى كما هو ظاهر فتأمّله يظهر لك إن شاء اللّه تعالى . [ المعنى ] ( ن ) : الخطاب للأحباب يعني صدّكم وإعراضكم عنّي لاشتغالكم بربّكم مع احتياجي إليكم في وصول الإمداد الإلهي إلى قلبي ، وتقوية روحي ولبّي بالحكم الإلهية والنصائح العرفانية إن كان لا بدّ منه قرّبوا منزلي فإنه إذا شهد السالك حضرة الغيب المطلق في مظاهر تصاوير المشايخ سهّل عليه ما يصدر منهم من الهجر والإعراض ونسب التقريب إليهم باعتبار الظاهر بهم وهو الحق وهم الفانون فيه . وقوله فالبعد أسوأ حالتي ، أي لأن حالة البعد يغيب عنه محبوبه